فـزاز24

مولاي ادريس نسيدي عدي عاش فقيرا ومات غنيا

مولاي ادريس نسيدي عدي عاش فقيرا ومات غنيا

 من يستعرض تاريخ الفنانين في الاطلس المتوسط يكتشف نوعًا معينًا من الفنانين يمتلكون موهبة حقيقية لكنهم بسبب أو لآخر لا يحصلون على حقهم من النجومية، وتجد في الوقت نفسه أنصاف أو أرباع مواهب يتصدرون المشهد.
 
 من هؤلاء الفنان الراحل العلوي مولاي إدريس الملقب بمولاي دريس نسيدي عدي الذي رحل عن دنيانا، هذا الفنان بحق موهوب بمعنى الكلمة، وتشعر بأنه فنان يركز كثيرا حتى يظهر في أفضل صورة، أعماله مؤثرة. عـاش في الظـل؛ بكل تلـقائية وأريحـية؛ وببساطتـه المعـهودة؛ وجنونه الواعي بإبداعية مرهفة فـاستهـوته الكلمة الموزونة وعـشـقها، حبا في هذا الفن الامازيغي وفضائه اللاّ متناهي.
 
ويلاحظ من عاشروه، أنه كان يتحاشى التصوير، والتقاط صورة لـه؛ فكان يتوارى عن الجموع ! ذاك كان مبدأ الراحل مولاي ادريس، ظل طيلة حياته أسيرا للظل لا يرنو إلى الضوء، ولم تَسْعَ روحه يوما إلى مباهج الشهرة وفتنتها. عاش أسير فنه مثله مثل نباتات الظل التي تخلق عالمها وحدها وعلى مهل، بعيدا عن نور الشمس، وبعيدا عن إغوائيات الضوء ونشوته. هو فنان الظل، أحب فنه، وتلظى بإغوائه، وتعامل معه كصيغة حياة يومية، لم ير خارجه حياة. أبدع فنه دون رغبة في الخلود، ودون رغبة في البقاء. يحدثك الرجل عن هم الناس ويعتصر قلبه الأسى، ويحدثك عن همه ويضحك، تفاصيل التفاصيل تهمه، ولا تصغر في عينيه بساطة الأشياء رغم بلوغه من الكبر عتيا. يعرف مولاي دريس نسيدي عدي كثيرا عن الناس في الوقت الذي لا تعرف الناس عنه الكثير.
 

 ولكنه كان زاهدا في الشهرة، محبا للهدوء والعزلة، وكان مضرب المثل في الخجل والتواضع وانكار الذات، وفي بداياته كان يخجل حتى من وضع اسمه على اعماله التي سجلت بدار الإذاعة كانت تسمى )برباعة عائشة تغزافت (، يتمتع بلسان عذب يطرب الأسماع بالشعر والحكايات والمغامرات، وترك أعمالا تعزّ على الحصر، ومازال بعضها لم يجمع حتى اليوم، عاش في الظل، بعيدا عن الشهرة والاضواء في حياته وبعد مماته، رغم ان اعماله ملء السمع والبصر، 'مولاي إدريس نسيدي عدي شخص خجول، ولطالما أضاع هذا الخجل حقوقه، ولكنه لا يتأسف على شيء فاته، ولو كان كغيره ممن يحسنون الدعاية لأنفسهم لأضحى اسمه ملء الأفواه والأسماع، ولتواترت من خلفه أسماء كثيرة نراها تحتل مكان الصدارة من غير استحقاق أو جدارة•
 

 الرجل العاصي المستعصي، إنه الفقير الغني الذي انحن له عشاقه ولم ينحن يوما، ذاك الذي أضاء من عتمة الظل، ذاك الذي عاش عمره عن الإعلام في حل، ذاك الذي أعطى فنه وشبابه وعمره، عاش ما كسب مات ولم يترك سوى وصية واحدة غناها “ثسافرث اوا ثزريتي گومازير يوران” و استجاب لها آلاف ممن حفظوا الوصية. كما يقال:" عاش ما كسب مات ما خلى".
 

 لا يختلف اثنان على أن الشهرة التي اكتسبها مولاي إدريس نسيدي عدي والشعبية الكبيرة التي حظي بها والاحترام الفائق الذي يكنه له عشاق الفن الامازيغي وغيرهم من افراد سكان جبال الاطلس المتوسط مصدرها مولاي ادريس الانسان الذي عرف بزهده وتواضعه وحبه للفقراء والمحتاجين والنأي بنفسه عن قرع أبواب المسؤولين والتودد اليهم حتى اصبح بخصاله تلك الاسطورة تمشي على قدمين، وانصرف عن مكاتب المسؤولين رغم محاولاتهم الحثيثة لإعادته الى مظلتهم لكن هيهات ان يرضخ مولاي ادريس وهيهات ان يحيد عن موقف تبناه يوما، لا اريد ان ادخل في تفاصيل قصة القائد بعين اللوح الذي اعتقل مولاي ادريس اعتقالا تعسفيا، لقد اختار مولاي ادريس صفوف جمهوره ولم تغره الاضواء لكنه وضع ثقته في عشاقه ولا شيء غير عشاق الكلمة الموزونة واللحن، موقف جعله اليوم يرحل دون أي يخلف أي وثائق ولا مراجع تؤرخ له سواء اغانيه والحفلات التي قدمها على مدار خمسين سنة. وهو ما جعله اليوم يتحول الى لغز اكثر غموضا من اللغز الذي عاشه على مدار سنوات عمره. لكنه لم يبح يوما بأوجاعه ويستغلّ شعبيته الجارفة لِنيل مآرب دنيوية. لقد أنهكه المرض والنسيان كما كل الذين سبقوه. وغدا سيحتلون الصدارة في المقبرة. رحم الله الفنان البسيط والطيب. و المستمع لأغاني الفنان الراحل مولاي إدريس نسيدي عدي والمتتبع لحياته الفنية لا يجد فيها ما يمكن أن يميزه عن أبناء جيله أو يجعله متفوقا عليهم رغم تشبثه وتمسكه بالأصيل والجيد من هذا التراث الأصيل ومحاولة المحافظة عليه لحنا و أداء، قامة عمادها التواضع والبساطة، عانق طوال حياته الحزن والإبهام، قدّم الراحل سلسلة طويلة من الأغاني التي سكنت وجدان المستمع نذكر هذه الروائع من باب الذكر لا الحصر:" اهيواث ايمغرابين وثاث ان معاوناث انبنو سد اواسيف نزيز"
"مشثولث عاري دا تاليخ اديس ثيث اسيف اداخ اوين"
"اميدن نتصانين اور هبيخشا خاس بضاض اسمون أيا ذيگي"
"ثسافرث اوا ثزريثي گو مازير يوران"
 

استلهم  مولاي ادريس نسيدي عدي جمال هذا الفن من الشيوخ الذين سبقوه ، على غرار "المرحوم بوفلا حمو اليازيد" آنذاك، كما كان بارعا في العزف على الة "الوتر" و"الناي"، لكنه لم يقف وقفة مستمع معجب فحسب بهذا الفن، بل أراد أن يقدم شيئا ينسب إليه في هذا العالم، حيث أعلن ثورة الإبداع، في شكل روائع رسمها في قوالب جذابة وهادفة وراقية في اللحن والكلمات، أصبحت خالدة في الأذهان وهو ما كان له.
 

 أن تكون عملاقا هو أن تجالس العمالقة، وإن راقصتهم فإنك حتما سوف تدوس على قدميك، لكنك تتعلم الفن أو الحرفة على أصولها، وهو ما كان مع "مولاي ادريس "، الذي اشتغل مع أعمدة في هذا الفن على سبيل المثال المرحوم الغازي بناصر "،"قدور" المرحوم موحى اوموزون" الذين أعطوا للفن جمالا خلابا مستمدا من كلمات راقية مهذبة تطرب السمع والفؤاد على حد سواء، لأن بصماته في عالم الفن الامازيغي كانت كبيرة وكان عطاؤه منقطع النظير، فقد اجتهد كثيرا وترك وراءه ريبرتوار غني في الفن الراقي المهذب، قصائد كانت تجمع كل محب للفن، استأنست بها الأذان والقلوب، ومازال صداها يسير مع الزمن، تتزين بها اليوم مكتبة الإذاعة الوطنية بدار البريهي الأصيل. عمل متواصل للراحل و بدون كلل؛ أعطى تراكمات إبداعية خلال خمسة عقود فعندما نتأمل في ماهية و جوهر انتاجاته الغزيرة التي ساهم بها على المستوى الوطني ؛ بحق هي تجربة متنوعة؛ ومعطاءة؛ لكن المؤسف أنه لم تقدم ولو دراسة حقيقية عن ثراء تجربته وغناها، فعلى الرغم من أنه منذ أواسط الستينات من القرن الماضي؛ يكابد ويكافح؛ حاملا مشعل الإبداع فوق كتفيه ومتأبطا عصا الترحال والتجوال بين دروب الكلمة وجمالية الأيقونة؛ بتواضع جم كان مساهما بشكل فعال في حركية إبداعية؛ وفي بلورة أفكار فنية في تجلياتها وكينونتها سحرها المتمأسس على الاختلاف والائتلاف. 
 

 الزمن وحش يأكل أولاده، كما قال الشاعر المرحوم حمو الغازي "ثبرم الساعث ارعب ونا وريموثن" زمن فيروسي غريب صار فيه النهب كرامة وصار فيه الفقر عقابا صار فيه الحرف المتنور جريمة وصارت فيه كلمات المدح والمجاملة صوابا زمن صار فيه الشريف حمارا والصفيق جوادا زمن ليس كسائر الأزمنة والأزمان صار فيه المنطق عبثا والأساطير و العرف المترهل المسكون بالأخلاق البالية مصدر التشريع صار فيه التملق وضوحا والتسلق طموحا صار فيه المبتدأ خبرا والخبر مبتدأ هذا زمن صار فيه الفاعل مفعولا به. والمفعول به فاعلا هـذا زمن كثرت فيه حروف العلة تتصدر المشهد الفني في جميع المجالات مثلها مثل إبليس هو يراك وأنت لا تراه.


 رحل عـنا مولاي ادريس في غفلـة من عسس الدنيا؛ ولكنه ترك أشياء جميلة منها ولكن التاريخ النظيف لا ينسى أو يتناسى بل يسجل بالمـــداد الذهبي وينصف من هو مبدع عنيد الذي كان آية بينة عند أقرانه الشرفاء، تاركا خلفه جرحا عميقا في عالم الأصيل من الفن المهذب، يضاف إلى قائمة الكثير من الفنانين الذين وطنوا لهذا الفن وبقي خالدا حتى بعد فنائهم. أتقدم بالشكر لجمعية حمو اليزيد التي قامت بالتفاتة نحو هذا الفنان بتكريمه بمبلغ 10000 درهم.




نشر الخبر :
نشر الخبر : المشرف
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو الماسة بالكرامة الإنسانية.. فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.