فـزاز24

قصة حقيقية... من صميم الطفولة: رحلة الصيف بعد حنين جارف إلى الجبل

قصة حقيقية... من صميم الطفولة: رحلة الصيف بعد حنين جارف إلى الجبل

      تدور وقائع القصة حول ماض غابر من حياة الكاتب، الأحداث تعود بالضبط إلى صيف سنة 1982، كانت رحلة شوق إلى الأدغال التي ولد بها الكاتب بعدما رحل عنها سنة 1975 بمناسبة ترسيم والده للعمل بمناجم جبل عوام...
ومنذ الرحيل بقيت صور البلدة الأم راسخة في مخيلة الكاتب، وجاءت فرصة زيارة لم تكن في الحسبان رافق خلالها أخته البكر في صيف 1981. كانت زيارة من أجل الوقوف على حصاد محصول الزرع الذي تم مع أحد شركاء الوالد في ذالك الموسم... وهناك نسج الكاتب خطة التحدي للعودة مع إخوانه وقطع مسافة لا تقل عن 30 كيلومتر. في عمر الزهور.


      كلما تحل عطلة الصيف تشتد أشواقنا إلى مسابح " تيغزى" قرية عمالية تبعد عن المنجم بحوالي ثلاث كيلومترات وكنا في بعض الأحيان نقصد صهاريج تصفية الماء أو "لاديك" بحيرة
تتكون من المياه المستعملة في تصفية المعادن، كُنّا نلجأ إليها كبديل عن المسبح حين يتعذر علينا الحصول على بطاقة عمل الوالد إذ أن الولوج إلى المسبح يتطلب الإدلاء بها فالآباء يخفونها عنا تخوفا علينا أو من ضياعها منا.. لكن خُبثنا غالباً ما يكون أقوى.. كنّا نمكث هناك اليوم كله فحب الماء بالنسبة لنا أشد من الجوع ولهْوُنا يستمر حتى غروب الشمس ليستقبلونا بالعقاب الشديد خصوصا من طرف الوالد والأخ الأكبر بينما ترأف بنا الأم بعد غضب شفهي..


      ذاتَ مرة وبعد جولة ساخنة من اللعب بعيدا كالعادة توَعّدنا أبي.. فجلسنا خلف المنزل في حالة طوارئ نناقش الوضع وكيفية الإفلات من العقاب أنا وعاشور الذي يصغرني بعامين وانضم إلينا لاحقا حسن الذي يصغرني بأربع سنوات وقد انبهر كلاهما بعذوبة الحديث والوصف الذي كنت أسرده وأنا أقص عليهما عن زيارتي الصيف المنصرم إلى البلاد مسقط رأسي وحاولت إقناع عاشور بزيارتها.. والواقع كان أشد مني شوقا وتلهفا لمعرفة مسقط رأسه هو أيضا، وكان تحفـظه الوحيد إن كنت أعرف الطريق وانتهى بنا الحديث بالاتفاق على المغامرة والسفر باكرا دون إخبار أي كان.

      لقد كان تحديا كبيرا وقرارا خطيرا، بل ما زاد الأمر خطورة في الصباح حين بدأ حسن وعمره أنا ذاك ست سنوات يتبعنا وكنا نطارده بالركض والحجارة إلى أن يفل وما نلبث أن نجتاز الأفق حتى يظهر من جديد.. كان الوقت يمضي علينا فاستسلمنا لرغبته فطلبنا منه الالتحاق بنا و نحن على مشارف منجم "إغرم أوسار" المنجم الثاني ضمن سلسلة شركة مناجم جبل عوام،، تحاشينا المرور بجانبه درءً لأي إحراج من طرف العمال قد يُفشل مهمتنا فامتطينا ذلك الفج و من فوقه بدأت تلوح تلال ودور متناثرة حول الحقول، وكنت أشير بيدي إلى تلال محددة و أخبرهما بأن خلف تلك الربوة دوار كبير سنمر به ويسمى "رّيف أنجدام" و علينا أخذ الحيطة و الحذر لأن عند الأهالي كلاب جياشة شرسة لا تحب رؤية كل عابر أجنبي عن المنطقة.. أتحدث مستحضرا ظروف زيارتي الصيف الماضي رفقة أختي الكبرى و نحن على صهوة بغل و كيف كانت الكلاب تقفز على أقدامنا غير آبهة لا بالعصا ولا بصياحنا و صياح الأهالي ..


      اقتربنا فأخرج عاشور شطيرة خبز كانت مبرمجة لسد الرمق، فجأة أنطلق نحونا الأول ثم الآخرون دفعة واحدة كانوا في حدود ست كلاب.. بثبات حسن يتمسك بي ونحن نلقي لهم بقطع الخبز عسانا نتقي شرهم،، لكن هيهات فقد كانت شراستهم تزيد و تزيد.. أخيرا نجحت لقمة في إشعال حرب ضارية بينهم فاغتنمنا الفرصة هروبا بجلدتنا فحين نساء خرجن للتو يضربن الكلاب ويهدئن الأجواء.. بينما نحن انصرفنا غير مبالين فأكدت لأخوايَ أن المرحلة الأصعب قد مرت بسلام..


       مضينا والسؤال يتكرر هل نحن في الطريق الصحيح؟ ودائما أُهدّئ من روعهما بأننا نمسك بزمام الأمور بينما بدواخلي حصرة من شدة التفكير في طول الطريق.


      تجاوزنا منعرجات "تِطٌ اعمر" و ها نحن على عتبة "ثَقّا مِشعّان" و كلما اقتربنا تغير وجه الأرض أمامنا فخلفنا أرض جوفاء و مزارع محصودة صفراء بينما في الأفق القريب تتراءى بوادر جنة خضراء نسرع الخطى لاستكشافها، و على مشارف الوادي استوقفنا المنظر الأخاذ بانوراما خلابة وخرير أم الربيع بدا في مسامع أخي الأصغر حسن كصوت مروحية و كان الإيحاء نفسه لدي للوهلة الأولى خلال العام الماضي، في الأسفل تتلألأ زرقة الماء تعكس زرقة السماء في انسيابية لا متناهية واختلط علينا معرفة وجهة تيار الماء فالمرتفعات يمينا و شمالا و بدوري لم أعد أتذكر.. هبطنا من تلك المنعرجات بسرعة البرق واكتشافاتنا تزيل عنا العياء وتمنحنا الطاقة خاصة بهبوب نسمات باردة عبر الوادي.

واد أم-الربيع

      عبرنا القنطرة وارتوينا رغم ملوحة الماء وكنا مندهشين لحجم الصبيب وقوة التيار وتأكدنا من وجهة انسياب المياه كما انبهرنا لفتية صغار يسبحون عراة وهو أمر لم نعهده من قبل..


      الساعة تشير إلى الثانية والمكان يشدنا إليه والجوع يقض مضاجعنا وبدأنا نتربص البساتين عسى أن نلمح شيئا نأكله فتسلقنا أشواك بها ثمار حمراء والطازجة منها سوداء، لبّها يسيل كالدم نسميها الأمازيغية "ثابغا" أشفينا غليلنا منها ثم انطلقنا وعند صعودنا "ثيزي ثازكَاغث" نلتقي بسيدة فتسألنا بلسانها الأمازيغي وهي تركب بغلاً، تسألنا عن وجهتنا و من أين جئنا؟ بعد إجابتنا لمسنا فيها مدى تأثرها لحالنا وقالت أنها لو كانت عائدة لاستقلتنا على البهيمة خصوصا الصغير منا، أشفقت علينا ثم أخرجت خبزا من كيس بحوزتها أعطتنا إياه و أوصتنا بالأخ الأصغر وطلبت منا الإسراع قبل حلول الظلام و أخذ الحذر ثم ودّعتْـنا، فمضينا نعبر سهل "تاغبالت" وسط حقول الذرة و أخرى للحمّص وأخرى.. إلى أن بلغنا تخوم الجبال الممتدة.. عند السفح واد تتفرع عنه سواقي لري كل هذه الحقول.


       طفئنا نار العطش وأطلقنا العنان للأقدام من جديد.. يستمر صعود الأدغال وبتوغلنا بين أشجار الغابة المتكونة من شتى أنواع الأشجار.. استهوتنا منها أشجارُ البلوط لكن ثمارها كانت في بداية نموها ومذاقها مازال مرّا.

      بلغنا مشارف عين "تاغبالت" وهي عبارة عن بطحاء واسعة زرعُها كان محصودا فبدأت أخبرهما بما أعرفه عنها منذ العام فهي تحوي أراضي أبي وأعمامي وتنبع منها مياه عذبة تصب في واد أم الربيع اكتفيت بالتفسير لهما دون المرور إلى عين المكان خصوصا وأن الشمس اختفت وراء الجبل..

بلدة تيط-إفستن

      أخيرا وعند موقع يسمى "الصّابْرِوات" تراءت لنا تحت الجبل الأخضر الداكن منازل ذات أشكال هرمية قال أخي بالدارجة: "واش هادو ديور ليزانديان" فهو يراها منازل شبيهة بمنازل رعاة البقر في أفلام "الويستيرن" علمنا بعد ذلك أن سقف المنازل من لوح الأرز وأنها تتخذ الشكل الهرمي للوقاية من تراكم الثلج في فصل الشتاء.. قلت: لقد وصلنا فهرولنا وهناك بجوار البساتين التي بدأت تظهر شيئا فشيئا و حول مياه متدفقة هذه بهائم تروي ظمئها و فتيات تتبادلن أطراف الحديث وبحوزتهن أواني لجلب الماء إنها "تِطْ إفسْتَنْ" العين الصامتة وهذه القرية ببساتينها ومزارعها تحمل نفس الاسم،، إنه اسم على مسمى تتدفق المياه من الأسفل في صمت مطبق و تتسم ببرودة تطفئ الظمأ وبانتعاش لا يقاوم..

      أمام نظرات الاستغراب لم نجرأ على الاقتراب من العين فانصرفنا إلى الدوار والأهالي يُدخلون مواشيهم إلى الحظائر ها هي الكلاب تنبح وتهاجمنا فيهب الأفراد لنجدتنا ثم التفوا حولنا وبدأوا بطرح الأسئلة وهم لا يصدقون الأمر..


      في الواقع كان كرمهم حاتميا وخصوصا سيدة عجوز "إيطو اعزيزي" رحمها الله فقد توفيت قبل سنتين.. وربما لطيبة قلبها كان الجميع يناديها "مَهْمّا" فقد كانت لنا السند إلى حين عودتنا في اليوم الثالث من المغامرة..




نشر الخبر :
نشر الخبر : المشرف
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو الماسة بالكرامة الإنسانية.. فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.