فـزاز24

عذرى مازغ يقصف: منذ ريعان الشباب وعلى منهج مهدي عامل، لا تحرر في ظل أزمة وعيٍ وتحكمٍ للأنظمة...

عذرى مازغ يقصف: منذ ريعان الشباب وعلى منهج مهدي عامل، لا تحرر في ظل أزمة وعيٍ وتحكمٍ للأنظمة...

اول لقاء لي مع فلسطيني كان بمدينة خنيفرة، كان اللقاء يدخل ضمن نشاط حزب يساري تحسيسا بالقضية الفلسطينية، وكان استدعائي لهذا النشاط غريبا إلى حد ما، فأنا لم أكن انتمي إلى حزب معين وان كانت هناك بوادر تيسر طفولي، وكانت لي علاقات مع فعاليات يسارية مشتتة بشكل كان وعيي الجنيني بها مصدوما أكثر مما هو محفز على الإنخراط حيث ما أن تقترب إلى هذا التيار أو ذاك حتى تكتشف صدعا كبيرا بينهما.. كنت حينها قد بدأت أرسم طريقي وفقا لما هو يشكل حافزا كبيرا.

في تلك الأيام كان صديقي الجامعي محمد قد فتح لي شهية القراءة من خلال كتاب كان يحمله تلك الأيام حيثما ذهب، كتاب خلق ثورة عجيبة في جبل عوام، وكان محمد هذا لا يتوانى يشرح لنا بشكل ساخر كيف كان الكاتب اللبناني مهدي عامل يعري بالتفكيك أفكارا لمن كنا نعتبرهم هامات كبيرة في الفكر العربي وصولا إلى وضعها في معادلات ساخرة يخجل المرأ أن يعتبر بها أو يجعلها أفكارا نيرة لإضاءة طريقه نحو الأفق.. بدأت متشوقا لقراءة مهدي عامل برغم استعصاء كتاباته على شاب مثلي.. لكن مع ذلك كان سهلا رصد بعض تلك الأمور التي تغمرنا حيوية وثورة. بدأنا نتعلم شيئا من نكت مهدي عامل وكانت بعض نقاشاتنا تكرر عباراته الساخرة من مثل: "فسر الماء بعد الجهد بالماء"، "العقل العربي عقل عربي متخلف لأنه العقل العربي المتخلف". لقد بدأنا عمليا نكتشف أن الكثير من رواد الفكر العربي كانوا مجبلون على لوك المفاهيم فيما يشبه الثرثرة بل كانوا ثراثرة بامتياز.. الكتاب هذا كان هو "أزمة الحضارة العربية ام أزمة البرجوازيات العربية".

بدأت أقرأ هذا الكتاب وفي الوقت ذاته بدأت أتحسس فورة الحماسة في ذاتي، أنا الآن ثوري لكن ثوريتي ليست كثورية هؤلاء الذين شبعوا من ثقافة المتيسرين العرب، بدا لي حينها مهدي عامل بأنه الثوري الوحيد في العالم العربي، مقارع جيد، مُطّلع ثقافيا، والكل يضرب له ألف حساب لذلك فهو نموذجي، لكن ابن العاهرة كان يملك قاموسا مستعصيا وله اسلوب يختلف عن أسلوب الترتيل العربي وحين يسخر من أحدهم يذكرنا أنه ليس هو من يسخر منه بل فكر هذا الأحد هو ذاته من يسخر من نفسه بسبب من عقلانيته، بدأت أكبر أكثر مما أنا وبحكم طيش الشباب كان كل ما كسبته من هذا المهدي هو نوع من التمرد في المدرسة لدرجة أني عصيت استاذ اللغة العربية في أمر استظهار قصيدة شعرية لمحمد الحلوي تصنف في الشعر الرومانسي.. سألني ما لذي منعني عن حفظها فقلت له وبكل جرأة ودون خجل بأنها قصيدة مسروقة بشكل خبيث من شاعر آخر هو جبران خليل جبران فهي عند جبران أجمل إيقاعا ووزنا وأداء وسحرا منه عند محمد الحلوي ورد علي الأستاذ الجليل بأنه إذا أقمت مقارنة بينهما وبينت السرقة سيمنحني النقطة التي أريد وهو بالفعل ما حصل بشكل نوه بي في القسم وقدمني كمثقف مما زاد من شحنة غروري أكثر.

هذا الغرور بدأ ينخر في أعماقي بشكل ما، فأنا الآن لدي بعض طلقات مهدي عامل الذي قرأت كتابه ولم أفهم إلا القليل منه، لكن مع ذلك بدأت متحمسا اكثر لقراءة باقي كتبه خصوصا كتابه "مقدمات نظرية.. " التي اطلعت على دراسات حوله كان ينشرها من حين لآخر البيان الثقافي لحزب علي يعتى.. على ان تلك الدراسات في البيان الثقافي كانت مفهومة أكثر بالنسبة لي بشكل كونت فكرة عن الكتاب، وعندما سقط بين يدي كتيب "في علمية الفكر الخلدوني" فهمت أساسا ان "مقدمات نظرية..." لا تعدو أن تكون على نمطية ابن خلدون نفسه كما يشرحه مهدي عامل، ومعنى ذلك هو انك، ولفهم فكر مهدي عامل بشكل جيد عليك بدئيا بقراءة مقدماته..

كان اكتشاف هذا الفكر الجدلي بمثابة قفزة من الغرور العارم الذي كنت أكبته برغم كل ذلك، كان بالنسبة لي عالما جديدا لم أضع فيه قدماي بعد، وكنت أحيط هذا الولع بشيء من السرية، الفكر الثوري عندي لا يناقش إلا مع الثوار، والثوار عندنا كنا نعرفهم على رؤوس الأصابع بشكل كنا نعرف عنهم بعض المغامرات الطائشة والمستفزة للقطيع من قبيل الأكل في رمضان وضاحا أو مناقشة صاخبة لأستاذ تقدمي مع أستاذ آخر أصولي وصلت، وكان ذلك بمناسبة حفلة مولود، وصلت إلى أطلال قيس وليلى على هضاب الجاهلية أمام قطيع من الاهل أجزم أن أحدا منهم لم يفهم من ذلك النقاش شيئا غير خلاصة فهمتها من أحد اعمامي عندما كان يحكي الأمر لوالدي بالقول إن "فلان" (يقصد الاستاذ التقدمي) حاجج الإمام وغلبه (يقصد بالإمام الأستاذ الأصولي وهو استاذ الإسلاميات في ثانويتنا ويمارس الإمامة من حين لآخر)، ثم أضاف العم هذا: "لقد تمكن منه ب"البنيان المرصوص" إلا أن مشكلته برغم فيض علمه هو انه لا يصلي وربما لا يؤمن ايضا" وكنت استغرب لفصاحة عمي وهو ينطق "البنيان المرصوص" بإشارة توحي بالرصاص والنار، وأعجب كيف عرف أن تلك المحاججات هي بهذا الشبه وكيف توصلوا إلى استنتاج المغالبة إذا كان النقاش مترفعا عنهم اصلا، لكن ما كان يهمني في تلك الفترة ليس النقاش في حد ذاته بل وجود آخرين ينتمون إلى نفس الصدع فعائلتي الكبيرة لم يفلت منها من التخونيج إلا الأسر البعيدة عن رحى الإستقطاب بالأحياء المدنية وأقصد هنا بالأحياء المدنية تلك الاحياء التي وصلتها الكهرباء ولا أقصد احياء المدن. ومن غريب الأمور، بثقة عمياء تماما، كان كل تقدمي من العائلة ثوري بالنسبة لي لدرجة معينة، حتى البيان في نسخته الثقافية المحرر بشكل ما من ثقل أيديولوجية الحزب الشيوعي المغربي الذي أغلب أعضائه أمضوا فترة العمرة والحج أو هكذا كانت الامور بادية في تلك السنوات من الشباب حيث كل تيارات اليسار مخنثة، كان صعبا ان تنتمي إلى حزب يساري مغربي خصوصا إذا كنت ثائرا مثل مهدي عامل ملهمي الأول، أن تحفظ عن ظهر قلب ميوعة فائقة عن الفكر العربي في شكل ممثليه كما في مسرحية "أزمة الحضارة العربية..."، " التخلف ليس بنية في الذات العربية"، ليس "تخلفا ذهنيا اصاب العقل العربي"،، "التخلف ممارسة أيديولوجية" عبارات لمهدي عامل الجميل والرائع تستنهض شيئا مكمونا في أعماقك كالسخرية من الذات المستلبة فينا بفعل الفكر العربي البرجوازي المتماهي مع اليسارية والتقدمية (ويا للغرابة! حتى التقدمية مثار سخط كبير عند مهدي عامل، مثار سخرية قاتلة إذ لا تستقيم عند اول محاولة للتقييم)، أما الحداثة والتحرر فحدث ولا حرج... إن الشيء الجميل الذي تعلمته من مهدي عامل هو أن أقف0 على مسافة معينة من اي حزب يساري في المغرب وهذا بالتحديد هو ما سيحصل عند اول دعوة للحضور في لقاء تحسيسي بالقضية الفلسطينية ينظمه حزب قومي امينه العام امازيغي محض في مدينة اسمها الأمازيغي يثير السخرية الجنسية عند عرب المشرق وهي مدينة خنيفرة.

كانت دعوتي أيضا غريبة خصوصا من شخص اهانني في كبريائي أنا الذي قرأ مهدي عامل أو بموضوعية حقة كنت واحد ممن يطمح ان يكون مثل مهدي عامل في صرامته الفكرية برغم أن كتاباته كانت مستعصية بشكل ما ومثيرة بشكل آخر تصلح أن نتمثلها او نتملكها بتعبير مهدي عامل نفسه. في وقتها كان من الكتب المثيرة في بيئتنا الفقيرة بالتأكيد كتاب حول التراث لطيب تيزني وطبعا، إضافة إليه، وكما قدمه مهدي عامل في أزمة البرجوازيات العربية، كان حسين مروة حاضرا عندي بشكل ملفت، لكن لسوء الاحوال المادية (المالية اقصد) كان يمكن ان أحصل على نسخة الطيب تيزني لأنها موجودة عند الكثير من الطلبة واعرف ان الرفيق الذي حاول استقطابنا إلى منظمته يملك نسخة منه، وحصل ان استدعاني يوما إلى منزله وحدثني كثيرا عن همومهم في الحزب لأجل خلق شبيبة تقدمية تملأ الفراغ الذي تعرفه منظمتهم بالإقليم، وكان إحضاري إلى منزله عملية استقطاب بامتياز ولم يكن لدي حينها اي اعتراض برغم تلك المسافة التي حدثتكم عنها بسبب من مهدي عامل، كان هدفي في ذلك اللقاء المنزلي هو حصولي على نسخة الطيب تيزني (لا أذكر عنوان المجلد الآن لظروف خاصة وهو باختصار قراءة تقدمية للتاريخ والتراث العربي، ولسوء الحظ لم أقرأ حتى الآن هذا الكتاب بسبب تلك اللعنة ـ الإهانة من رفيقي المستقطب، حدثني في منزله عن الفراغ والشبيبة وتعوله وما إلى ذلك من القضايا الحزبية وحدثته انا عن رغبتي العميقة في قراءة كتاب الطيب تيزني، رحب بالأمر لكنه عمد إلى حيلة تخلصه من طلبي، احالني على رفيق له بدعوى ان النسخة ليست متوفرة لديه الآن بل هي عند صديقه واخبرني أن اتصل به لاجل ذلك، وبالفعل اتصلت بصديقه ودعاني هو الآخر إلى منزله بطريقة استقطابية ايضا، لكن عندما وصلنا إلى الحديث حول الكتاب فجرها في وجهي بكل صراحة عكس فيها موقفه وموقف صديقه: "أنت الآن تدرس بالثانوي وأعتقد أن مستوى الكتاب مرتفع جدا عن مستواك... صحيح ان النسخة موجودة عندي لكن انتظر حتى تصل الجامعة ويرتفع مستواك الإستيعابي"، بالفعل أراني النسخة وطلب مني الإنتظار وهو الامر الذي أحدث صدمة كبيرة في نفسي. احتقرت نفسي كما احتقرت طموحي وشدتني الرغبة الكبيرة في قراءة مقدمات نظرية لمهدي عامل تجاوزا لطيب تيزني وحسين مروة الذي لم أكلف وقتا للحصول على نسخته الرائعة بجزأيها من "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية".

قبلت الدعوة برغم تلك المسافة التي علمني إياها مهدي عامل، وأكثر من ذلك اطلعت بسبب منه على الموقف من القضية بشكل إن كان لا ينسجم مع الحالة المغربية تماما، بشكل آخر، كانت القضية الفلسطينية بالنسبة لي مثلها مثل قضية جنوب إفريقيا هي قضية ابارتايد واعتقد جازما ان قوما جاء من مختلف دول العالم لا حق له في إزاحة سكان محليين، قضية فلسطين بالنسة ليست قضية مسجد او دين، هي قضية مواطنون محليون يزاحون بالقوة من منازلهم.. فرق شاسع بين أن تتخذ القضية شكلا دينيا من ان تتخذ شكلا وطنيا (وطبعا نعرف لماذا هذا الشحن الديني المغيب للقضية الفلسطينية الذي هو بخلفية تحريض الرعاع الجهادي)، شكل قوم في ارضهم (في القرن العشرين من العيب التحدث عن همجية التغلب البشري بعضهم على بعض حيث في القديم كانت القوة تصنع الأوطان والممالك)

في القرن العشرين (ما بالك الآن في القرن الواحد وعشرين) تحكم دول بقوة السلاح شعوبا أخرى وتهضم حقها الوطني في الإنتماء وتزيحهم عن ارضهم. من الصعب جيدا أن نحفل بهذا النضج الإنساني الذي نغنيه حول انقراض الطيور والقردة وغيرهم في الوقت الذي يزاح شعب من أرضه.

في اللقاء التحسيسي هذا لم يكن هناك حضور كبير، كنا على رؤوس الأصابع والفلسطيني الذي لا أذكر الآن اسمه هو قنصل او سفير فلسطين بالمغرب، ولم يحرجه الحضور باعتبار قضيته قضية لا تهتم بالكم، بالنسبة لي كان الأمر مخجلا جدا، لكن كان الأمر مستفزا لي في نفس الوقت من خلال السؤال التالي، في أي شيء أنفع القضية الفلسطينية بإعلاني موقف ما، فنحن دولة لا ديموقراطية والحزب عندنا سواء تبنى هذا الموقف أو ذاك لا يستطيع تصريفه، في المغرب، كل ما نستطيعه هو رفع بيانات إدانة، مجاملة نضالية لا أكثر.

اللعنة على مهدي عامل!
كان مهدي عامل حاضرا أيضا في هذا اللقاء، مشكلة فلسطين هي مشكلة تحرر وطني لكن هي أيضا في المغرب مشكلة تحرر وطني، في غياب أن تتحرر في وطنك لا يمكنك مساندة قضية شعب آخر مساندة فعالة. وعلى سبيل المثل فقط، دول ديموقراطية في امريكا اللاتينية، نجحت فيها احزاب يسارية حقة وعكست بطيب خاطر الموقف من إسرائيل: الإدانة الواضحة بدون لبس لإسرائيل ولأعمالها وقطع العلاقات الديبلوماسية معها.

في العالم الإسلامي، ننتظر عودة يوسف الذي أكلته الذئاب.




نشر الخبر :
نشر الخبر : المشرف
عدد المشاهدات
عدد التعليقات :
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو الماسة بالكرامة الإنسانية.. فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.